تطوان تحتفي بذاكرتها المعمارية: تقديم كتاب ومعرض حول تطور الخزف والبلاط المعماري
احتضن معهد سرفانتس بتطوان، مساء أمس، لقاءً ثقافيًا وفنيًا مميزًا جمع بين تقديم كتاب علمي مرجعي وافتتاح معرض فني، في حدث ينسجم مع اختيار مدينة تطوان عاصمةً للثقافة والحوار في البحر الأبيض المتوسط لسنة 2026، إلى جانب مدينة ماتيرا الإيطالية.
وشكّل هذا الموعد مناسبة للاحتفاء بتاريخ الخزف المعماري والبلاط في تطوان، واستحضار تطوره الجمالي والتقني، من خلال مقاربة تجمع بين الذاكرة والبحث الأكاديمي والإبداع المعاصر.
كتاب يوثق الذاكرة المعمارية لتطوان
في مستهل اللقاء، تم تقديم كتاب "غلاف معماري فريد: فن البلاط الإسباني في عمارة ومدينة تطوان" للباحث والقيّم الفني أنطونيو رييس، وهو ثمرة عمل ميداني وبحثي انطلق سنة 2016، وتُوّج بجمع وتوثيق واحدة من أكبر المجموعات المعروفة للبلاط الذي يصور مدينة تطوان، والتي تضم أكثر من ألف قطعة خزفية.
الكتاب لا يكتفي بالتوثيق البصري، بل يقدم قراءة تحليلية دقيقة لأعمال البلاط الإسباني في أحياء الإنسانش والمدينة العتيقة، مبرزًا قيمتها التاريخية والمعمارية، ودورها في تشكيل هوية تطوان الحضرية. ويكتسي هذا العمل أهمية خاصة في السياق الراهن، حيث تسعى المدينة إلى تعزيز ملفها للانضمام إلى قائمة التراث العالمي، ما يجعل من هذا الكتاب مرجعًا أساسيًا للباحثين والمهتمين بصون الذاكرة المعمارية.
وقد شاركت في تقديم الكتاب لولا لوبيز إنامورادو، أستاذة الدراسات العربية والإسلامية بجامعة إشبيلية والمديرة السابقة لمعهد سرفانتس بتطوان، التي كان لإسهامها العلمي دور محوري في تطوير هذا البحث، مؤكدة على أهمية التلاقح الثقافي المغربي-الإسباني في المجال الفني والمعماري.
معرض يستحضر الماضي ويخاطب الحاضر
تلا تقديم الكتاب افتتاح معرض "الحنين إلى الماضي والحاضر: نظرة على تطور الخزف المعماري في تطوان"، الذي يقترح رحلة بصرية وتاريخية تمتد من أواخر القرن التاسع عشر إلى الإبداع الخزفي المعاصر، عبر خمسة أقسام رئيسية تبرز مراحل التحول والتجديد في فن الزليج والخزف.
ويضم المعرض نماذج أصلية من الزليج التقليدي، وأعمالًا لفنانين وخزافين من تطوان، من بينهم أمين بختي بخبرته الممتدة لأكثر من 25 سنة، والفنان محمد دهمي الذي يستلهم أعماله من البحر وذاكرة الساحل، إضافة إلى مشروع سانيا الذي يجمع بين التقنيات التقليدية والتجريب المعاصر في الزليج والخزف الفني.
وقد حضر افتتاح المعرض القيّم الفني أنطونيو رييس إلى جانب الفنانين المشاركين، في أجواء عكست غنى الحوار بين الماضي والحاضر، وبين الحرف التقليدية والرؤى الفنية الحديثة.
لقاء يحتفي بالهوية والتعدد الثقافي
يأتي هذا الحدث ثمرة تعاون بين معهد سرفانتس، والوفد الإقليمي للثقافة، ومهرجان الأندلس المتوسطي الذي تنظمه مؤسسة عبد القادر سدراوي، والبلدية الحضرية، في تجسيد عملي لروح الشراكة الثقافية والانفتاح المتوسطي الذي يميز مدينة تطوان.
وبهذا اللقاء، تؤكد تطوان مرة أخرى مكانتها كمدينة للذاكرة والجمال والحوار، حيث يلتقي البحث الأكاديمي بالإبداع الفني، ويُستحضر الماضي لا بوصفه حنينًا فقط، بل كرافعة لفهم الحاضر وبناء المستقبل.

























